عبد القادر الجيلاني
84
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
المقالة العشرون في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 1 » قال رضي اللّه عنه : دع ما يريبك إذا اجتمع مع ما لا يريبك فخذ بالعزيمة الذي لا يشوبها ريب ولا شك ، ودع ما يريبك ، فأما إذا تجرد المريب المشوب الذي لم يصف عن حز القلب وحكه فتوقف فيه وانظر الأمر فيه ، فإن أمرت بتناوله فدونك وإن أمرت بالكفّ عنه ومنعت فكفّ ، فليكن ذلك عندك كأنه لم يكن ولم يوجد ، ارجع إلى الباب وابتغ عند ربك الرزق ، وإن ضعفت عن الصبر أو الموافقة أو الرضا أو الفنا فهو عزّ وجلّ لا يحتاج أن يذكر فليس بغافل عنك وعن غيرك ، وهو عزّ وجلّ يطعم الكفار والمنافقين والمدبرين عنه فكيف ينساك أيها المؤمن الموحّد المقبل على طاعته والقائم بأمره في آناء الليل وأطراف النهار ؟ . ( وجه آخر ) دع ما في أيدي الخلق فلا تطلبه ولا تعلق قلبك به ، ولا ترجو الخلق ولا تخافهم ، وخذ من فضل اللّه عزّ وجلّ وهو ما لا يريبك . وليكن لك مسؤول واحد ومعط واحد ومرجوّ واحد ومخوّف واحد وموجود واحد وهمّة واحدة ، وهو ربك عزّ وجلّ ، الذي نواصي الملوك بيده وقلوب الخلق بيده التي هي أمراء الأجساد ، وأموال الخلق له عزّ وجلّ ، وهم وكلاؤه وأمناؤه ، وحركة أيديهم بالعطاء لك بإذنه عزّ وجلّ وأمره وتحريكه وكفّها عن عطائك كذلك قال عزّ من قائل : وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [ النّساء : الآية 32 ] ، وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ العنكبوت : الآية 17 ] ، وقال سبحانه : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [ البقرة : الآية 186 ] ، وقال تعالى : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : الآية 60 ] ، وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) [ الذّاريات : الآية 58 ] ، وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ [ آل عمران : الآية 37 ] .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 2 / 724 ) ، وابن حبان في صحيحه ( 2 / 498 ) ، والترمذي ( 4 / 668 ) ، والدارمي ( 2 / 319 ) ، وأحمد في مسنده ( 1 / 200 ، 3 / 112 ، 153 ) ، والنسائي ( 8 / 327 ) وفي الكبرى ( 3 / 239 ) .